بسم الله الرحمن الرحيم
* - الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد :
* - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
المحور الأول : المقدمة :
* - أيها الأخوة :
إن الإنسان اجتماعي بطبعه ، فهو لا يستطيع العيش إلا ضمن مجتمعات ، فنجد خيام أهل البادية تكاد تكون متلاصقة رغم فسحة البادية واتساع رقعتها،
حتى إن الإنسان إذا ما عاش منعزلاً كان متهماً في عقله .
فالإنسانَ مرغم فطرةً على العيش بين الناس لأنه بحاجة إليهم ولا يستغني عن خدماتهم لذلك فعليه أن يعمل على توطيد الروابط الاجتماعية مع الآخرين وأن يحترم من يعيش بينهم ، وأن يكون سلوكه مستقيماً وهو يسعى وراء مصالحه ، ليس فيه اعتداء على حرمة أحد ، وإلا فلسوف ينبذ من بينهم لأنه ليس أهلاً لصحبتهم .
ولكن هناك عدة قوى تتصارع فيما بينها داخل الإنسان للسيطرة على قيادة سلوكه ، فهناك العقل المستنير بالعلم والمعرفة والإيمان وهو يعتبر المسؤول الأول عن توجيه سلوك صاحبه ،وقد أشاد القرآن الكريم بمنزلة العقل وأثنى على من استعمله فقال تعالى: ( وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) (البقرة:269)
وقال : ( كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)(يونس: من الآية24)
وهناك أيضاً غرائز النفس ودوافعها ، كدافعي الجوع والعطش ، ودافع الأمومة ، والدافع الجنسي وغيرها ، وهي دوافع وغرائز بهيمية ، إذا أطلق لها العنان وتحررت من سلطان العقل ، انحدرت بصاحبها إلى مستوى الإنسان البهيمي ، فتجعل منه فرساً لا يدرك من محيطه إلا المعلف الذي عُقل إليه ، حيث لا يهمه إلا إشباع غرائزه ودوافعه ، بأسهل وسيلة وأقصر طريق ، قال الله تعالى في وصفهم : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ )(محمد: من الآية12) ) و قال الله تعالى : ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (لأعراف:179) وقال : ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (مريم:59) و قال الله تعالى : ( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (الملك:10) فاتباع الشهوات وإهمال العقل كان سبب هلاكهم ، لأن العاقل يحكمه النص و الجاهل يحكمه الواقع ، فالجائع العاقل يصبر على ألم الجوع ولا يُقبل إلى طبق العسل الذي قدم إليه ، وقد همس في أذنه أحد الناصحين ممن يثق بهم أن العسل مسموم ، فهذا العاقل يحكمه النص فيصبر على ألم الجوع ويجنب نفسه الألم المميت ، بينما الجاهل يحكمه الواقع ، حيث لا يبالي بذاك الذي همس في أذنه أن العسل مسموم ، بل أسكره الشعور بالجوع والتفكر بلذة الطعام ، ولكن سرعان ما انقضت تلك اللذة مخلفة وراءها ألماً مميتا ً ممزوجاً بالحسرة والندامة ، لأنه لم يصغ إلى ذاك الناصح الحكيم ، فإذا تم إسعافه وكتبت له النجاة، يقول لن أتجاهل نصح الناصحين بعد اليوم فهذا حكمه الواقع .
* - وهناك أيضاً إلى جانب العقل والدوافع العواطف المتمثلة بالحب والكراهية ، وهي موضوع بحثنا ، وهما عاطفتان متناقضتان إذا تصارعتا مع العقل وكانت لهما الغلبة سيطرة على قيادة سلوك هذا الإنسان وساقته إلى الهاوية ، أما إذا انسجمت مع العقل ارتقت بصاحبها إلى مراتب الكمال والرقي الإنساني.
* - وهما أيضاً عاطفتان قسريتان يقذف الله تعالى بهما في قلب من يشاء من عباده ، على سبيل الاختبار
والابتلاء والعقوبة أحيانا وعلى سبيل العون والمدد أحيانا أخرى ، فعلى سبيل الاختبار والابتلاء والعقوبة مثلاً ( كحب الإنسان لامرأة متزوجة من غيره وكراهيته لزوجته فيبتليه الله بحب هذه المرأة لأنه لم يلتزم الأمر الإلهي بغض البصر ) وأما على سبيل العون والمدد مثلاً : ( كحب مساعدة الناس وكراهية أذيتهم )
إذاً عاطفة الحب والكره عاطفتان قسريتان لا إرادة للإنسان بجلبها ولا قِبَل له بصرفها ، ولا يتحمل أية مسؤولية ، عن وجود هاتين العاطفتين في قلبه تجاه الآخرين ، وإنما المسؤولية تقع على السلوك الذي يصدر عن هاتين العاطفتين ، وعن موقفه من هاتين العاطفين هل هو راض عنها أم ساخط …؟ والدليل على ذلك قول الله تعالى : ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ )(لأنفال: من الآية24) وقوله تعالى : ( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ)(النساء: من الآية129)قال كثير من المفسرين كابن عباس وغيره : أي لن تستطيعوا أن تعدلوا بالحب والجماع لأنهما أمران خارجان عن قدرة الإنسان وإرادته وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول : ( اللهم هذا قَسْمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ) أي الحب ، حيث كان يحب السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها أكثر من سائر نسائه .وهذا هو التطبيق العملي لقوله تعالى:( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ )(النساء: من الآية129)أي لا تجعلوا ميلكم القلبي سببا لميلكم الظاهري .
إذاً المسؤولية تقع على السلوك وليس على مجرد وجود هذه العواطف في القلب ، ولكن إذا تمكنت هذه العواطف من السيطرة على العقل تحكمت في قيادة سلوك صاحبها وكانت قراراته خادمة لعواطفه منساقة وراءها فتسوقه إلى الهاوية شأنها شأن الغرائز والدوافع .
لذلك حذر القرآن الكريم من اتباع الهوى ، والمقصود بالهوى هو ما يحبه وما يكرهه ، قال تعالى : ( وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً)(الكهف28) و قال الله تعالى : ( فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى) (طـه:16) و قال الله تعالى : ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (القصص:50)
إذاً مجموع هذه الآيات تحذر من سيطرة الهوى على سلوك الإنسان ، حيث أن أي قرار يصدر عن العاطفة هو قرار خاطئ وإن تبين فيما بعد أنه كان صائباً لأن اتباع الهوى مجازفة كبرى لا تحمد عواقبها ، فمثلا قال النبي صلى الله عليه وسلم : (من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ) لأنه جازف .
لذلك قال تعالى : ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)(البقرة: من الآية216) أي ليس كل ما تكرهه شر وليس
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ